خليل الصفدي
375
أعيان العصر وأعوان النصر
يومين وأكثر وأقل ، وربّما وأعد الغلام أن يأتي إليه بالمركوب في وقت ، ثم إنه يبدو له ، فيأخذ ذيله على كتفه ، ويدخل القاهرة إلى بيته ماشيا . وولّاه السلطان الملك الناصر نظر البيمارستان المنصوري ، فكان يدخل بعض الأوقات إلى المجانين ، ويدخلهم الحمّام ، ويكسوهم قماشا جديدا ، وأحضر لهم يوما جماعة من الجوالقية ، فغنّوا لهم بالكف ورقص المجانين . وكان يبرّ المباشرين الذين هم به بالذهب من عنده ، ويطلع في الليل قبل التسبيح المأذنة ويتفقد المؤذنين ، وكان للبيمارستان به صورة عظيمة ، وأملاكه محترمة لا يرمى على سكانها شيء من جهة الدولة ، ولا يتعرض لهم أحد بأذيّة . أخرجه السلطان في أول سنة أربع وثلاثين وسبعمائة في شهر ربيع الآخر وصل إلى دمشق متوجّها إلى نيابة طرابلس فحضر إليها ، وأقام بها مدة ، وبالغ في طلب الإقالة ، وأن يكون مقيما بالقدس ، فرسم له بالحضور إلى دمشق ، وخرج الأمير سيف الدين تنكز وتلقاه ، وعمل له سماطا في دار السعادة ، ودخل ؛ ليأكل ، وحضر الأمراء ، فأمسكه على السماط ، وأودع في قلعة دمشق معتقلا ، فأقام بها يسيرا ، ثم إنه جهز إلى صفد ، وحبس بها في برج ، فدخل إليه بعض أهلها ، وقال : يا خوند ! ما تلبث إلّا يسيرا ، وتخرج منه ؛ لأنك دخلت في برج منقلب ، فلمّا كان بعد أيام أخرجوه منه إلى غزة ، فقال : لأي شيء ، فقالوا : يا خوند ! البرج قد انشق ، ونخاف أن يقع عليك ، فقال : صدق القائل كان البرج ينقلب عليّ . وكانت له أشياء غريبة ، فيما يوقّع على القصص بقلمه ، كتب إليه إنسان وهو بدمشق : المملوك يسأل الحضور بين يدي مولانا ملك الأمراء ؛ لينهي ضرورته ، فوقّع على جانبها : الاجتماع مقدّر . وكتب إليه بعض من كان بها مليحا ، يطلب إقطاعا ، فكتب له عليها : من كان يومه بخمسين وليلته بمائة ، ما له حاجة بالجندية . وكتب إليه إنسان وهو بالكرك : إن هؤلاء الصبيان قد كثرت أذيتهم للمملوك ، فوقّع له : إن لم تصبر على أذى أولادهم ، وإلا فأخرج من بلاهم . ووقّع لآخر ، وكان قد جرت له كائنة في الليل : قد أحصيناك ، وإن عدت إلى مثلها أخصيناك ، وقال للأمير سيف الدين تنكز لمّا أمسكه : أما أنا فقد أمسكت ، ولكن خذ أنت حذرك منه . وأقام في قلعة صفد يسيرا ، ثم إنه رسم بتجهيزه إلى الإسكندرية ، فأقام بها قليلا ، وكان في رأسه سلعة فطالب قطعها ، وشاوروا السلطان على قطعها ، فرسم له بذلك